• إن المتأمل في مسيرة الفقه الإسلامي لا يلبث أن يشد انتباهه ظاهرة فريدة ومتميزة تخص المغرب الإسلامي والتي تكمن في أن الفرق الكلامية -عدا المدرسة السنية- والمذاهب الفقهية -عدا المذهب المالكي- ما لبثت أن تقلص نفوذها واضمحل وجودها بعد انتشارها بزمن ليس بالطويل.
  • الحمد لله الذي رفع بالعلم درجات أهله، و حثهم على سلوك طريقه و كسبه، و أثابهم على سلوكهم طريق حمله، و وعدهم بالبشارة في الدارين على إيصاله و نقله؛ و الصلاة و السلام على أشرف خلق الله تعالى أجمعين، سيدنا محمد المبعوث بالرحمة المطلقة لخلقه؛ و على آله و أزواجه و صحابته من بعده،
  •  كما تعلمون، فإن المشهور في مذهب مالك هو أن وقت المغرب قصير لا يمتدّ إلى غياب الشفق. قال الدسوقي : (ولكن الحق أن القول بالإمتداد ضعيف وإن كان فيه نوع قوة والمعتمد ما مشى عليه خليل والدردير).
  •  ذكر ابن رشد عنه ما نصه : وسئل مالك رحمه الله عمن يمسح بفضل ذراعيه فقال لا أحب ذلك فقيل لابن القاسم ولو مسح بفضل ذراعيه وفضل لحيته ثم صلى فلم يذكر حتى خرج الوقت فقال يعيد وإن ذهب الوقت ويمسح وليس هذا بمسح قال القاضي -ابن رشد- أما مسح الرجل رأسه
  • وروي بإسناد صحيح أن رسول الله، صلي الله عليه وسلم، قال : يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة، رواه أبو عيسى الترمذي من حديث أبي الزبير عن أبي صالح، عن أبي هريرة يرفعه، وقال :

0 مدارس المذهب المالكى



إنَّ الحمد لله نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونَعوذ بالله من شُرور أنفسنَا وسَيئات أعمالنا من يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له ومن يُضْلِل فلا هادي له، وأشهَدُ ألا اله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمّدا عَبدُه ورسُوله. 
أما بعدُ : 
فإن مذهب الإمام مالك رحمه الله من المذاهب السنية التي تلقتها الأمة بالقبول والرضى ، ولقد أعجب به كثير من أهل العلم فتفقهوا به ورحلوا إلى الإمام الأعظم ليسمعوا منه ، وليدرسوا على يديه : ثم عادوا إلى بلدانهم حاملين إلى قومهم قبسات من النور الأثري ..، فعلموا وأنذروا ما شاء الله لهم أن يفعلوا ذلك ، فكانوا بحق خدَمَةَ المعرفة الشرعية ، ومؤسسوا صرح المذهب المالكي... 
ولقد طبعت كل طائفة من هؤلاء النَّفر الكرام المذهب بطابع خاص بها ، وأضافت إليه أشياء من عندها ، كلٌّ حسب محيطه العلمي ، وما يرتضيه من مناهج البحث وأدوات الدراسة..، فظهرت في المذهب مدارس عدة ، امتازت كل مدرسة بخصائص تنفرد بها عما سواها = مع خدمتهم ـ جميعهم ـ لمذهب مالك رضي الله عنه : فأُثْري المذهب بأبحاث مسددة ، ومناهج متناسقة ، ونقاشات هادفة...، حتى أضحى المذهب شجرة علمية وافرة الظلال ، جنية الثمار = لها إضافاتها المبدعة على الساحة العلمية مما ساهم في ترسيخ مفهومات اليسر و اعتبار مصالح الخلق ضمن مقاصد الشرع... 
ولقد سعى هذا البحث إلى الإجابة عن أسئلة عدة نجملها في الآتي : 
ما هي هذه المدارس ؟ وما خصائصها العلمية والمنهجية ؟ وما هي أدوارها العلمية ضمن المذهب المالكي؟... 
وقد قسمتُ البحث إلى فصلين : 
v الفصل الأول : أسباب ظهور المدارس داخل المذهب.
v الفصل الثاني : التعريف بمدارس المذهب. 
تعدَّدت أسباب ظهور المدارس داخل المذهب إلى أسباب منهجية ، وآخر يرجع إلى المناخ العلمي...وفيما يلي عرضٌ لهذه الأسباب :
أ – الأسباب المنهجية :
*الأول : ويتمثل في حكم العمل بالسنة الأثرية كفتاوى الصحابة وأقضيتهم وعمل أهل المدينة: فإن المدنيين من أصحاب مالك ـ ومن وافقهم من مالكية الأمصار ـ كانوا يقدمون الخبر الوارد عن النبي r وإن عارضه العمل(1) ، وكان غيرهم من بقية المدارس يقدمون العمل على أخبار الآحاد...، وسيأتي مزيد تفصيل عند الحديث على كل مدرسة. 
*الثاني : ويتمثل في ترتيب الأولويات ، فإن طائفة من المالكية رأوا ضرورة الاهتمام بتصحيح الروايات وتتبع الألفاظ ، والموازنة بين الأسمعة لدرء ما قد يفهم من التعارض...، وهؤلاء هم مالكية المغرب ؛ وطائفة أخرى اشتغلت بالاستدلال لما ذهب إليه الأصحاب ـ لظروفها الخاصة ـ وتقعيد تلك الاخيارات في قواعد جامعة(2) ..، وهؤلاء هم العراقيون. 
ولهذا العامل تعلق بما سيأتي في الأسباب التي تعود إلى البيئة العلمية. 
*الثالث : ويتمثل في محاولة طائفة من المالكية الجمع بين خصائص المدارس ، وظهرت جليا في المغاربة الذين راموا الجمع بين منهج العراقيين والمصريين والمدنيين : فاعتبروا الآثار مع عنايتهم بالتفريعات والافتراضات الفقهية ، وقول يحيى الليثي يشير إلى هذا المعنى ، فإنه حاول التوفيق بين نهي ابن القاسم له عن تقديم الآحاد على العمل ، وبين تحذير ابن وهب له من الرأي ، فقال :" رحمهما الله فكلاهما قد أصاب في مقالته. نهاني ابن القاسم عن إتباع ما ليس عليه العمل من الحديث، وأصاب. ونهاني ابن وهب عن كلفة الرأي، وكثرته، وأمرني بالإتباع وأصاب."(3)
ب-الأسباب التي ترجع إلى البيئة العلمية : 
*الأول : يرجع إلى بيئة العراق التي كانت محكومة بكثرة المذاهب والطوائف ، واحتكاكها ببعضها يولد جوا من النقاش : كل ينصر قوله ويروم إبطال قول خصمه ، فكان لا بد لأهل كل مذهب من تدعيم اختياراتهم بالحجة والبرهان ، ولهذا السبب اهتم مالكية العراق بالتقعيد الفقهي ، والاعتناء بالاستدلال ، والاطلاع على مذاهب الفقهاء الآخرين (4) .
*الثاني : يرجع إلى مالك نفسه ـ رحمه الله ـ وإلى المنهج السائد في الحجاز ، ذلك أن مالكا كان من أهل الحديث ، بل كان رأسا فيه حتى قال الشافعي : "إذا جاء الأثر عن مالك : فمالك النجم"(5) قال ابن المديني : "سمعت ابن مهدي يقول كان وهيب لا يعدل بمالك أحدا"(6) ، وبقدر إحاطته بعلوم الرواية فإنه كان محيطا بالدراية أيضا = وفقه مالك أظهر من أن يستدل له . 
فمن كان من تلامذة مالك مائلا إلى الحديث ، نابذا للتقليد ، متأثرا بالجو السائد في المدينة يومئذ فإنه قدم النصوص على كل شئ ، ولم يقم اعتبارا للعمل وهم عامة المدنيين، وأما من كان فيه نوع تقليد لاختيارت الإمام مالك فإنه قدم العمل على خبر الواحد حين التعارض وهم جمهور المالكية(7).
يرى كثير من الباحثين أن مدارس المذهب المالكي أربعة(8) ، وهي :
§ المدرسة المدنية.
§ المدرسة المصرية.
§ المدرسة العراقية.
§ المدرسة المغربية.
إلا أن بعضهم(9) يعمد إلى المدرسة المغربية : فيجعل القيروان مدرسة خاصة قائمة بنفسها ، والأندلس كذلك ، فيصبح تعداد المدارس خمسا ، لكنه في الواقع لا يقدم فروقا بين القيروان والأندلس تبرر استقلال كل قطر عن الآخر : إلا ما كان من اعتماد أهل القيروان على المدونة والأندلسيين على الواضحة ثم العتبية ، وهذا لا يسمى فرقا البتة ، ذلك أن التمايز يكون على أساس منهجي يباين غيره ، لا على أساس ما يستحسنه أهل كل قطر من كتب ، ولم يُسمع أ ن الأندلسيين قد تابعوا ابن حبيب ـ صاحب الواضحة ـ في تقديمه للأحاديث على العمل ، بل كانوا على مذهب عبد الرحمن بن القاسم وغيره من المصريين.

1.المدرسة المدنية :
لا شك أن المدينة هي مهد المذهب المالكي : فبها عاش الإمام ، وبها ربى تلامذته ، وسمع منه أصحابه ...
ولقد كان بالمدينة قمم علمية من أصحاب مالك أسهموا في إثراء المذهب وتدعيم أركانه ، ويطلق عليهم اسم "المدنيين"(10) ومن أشهر هؤلاء الأصحاب :
عبد الملك بن الماجشون ، ومُطَرِّف بن عبد الله بن مطرف : ويلقبان بالأخوين ، ومحمد بن إبراهيم بن دينار ، وعبد الله بن نافع الصائغ ، ومحمد بن مسلمة المخزومي ...وغيرهم ، إلا أن ابن الماجشون ومطرفا كانا الأكثر تأثيرا في تطور المذهب(11) . وقد شمل بقية الأمصار وخاصة مصر والأندلس .
ولقد كان الغالب على أهل هذه المدرسة ـ من جهة المنهج ـ تقديم الحديث على الآثار ، فكثرت مخالفاتهم لبقية المالكية ، وفي قصة يحيى الليثي أكبر شاهد على ذلك ، يقول يحيى رحمه الله :"كنت آتي عبد الرحمان بن القاسم، فيقول لي من أين يا أبا محمد؟ فأقول له: من عند عبد الله بن وهب. فيقول لي: اتق الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل. ثم آتي عبد الله بن وهب، فيقول لي من أين؟ فأقول له:من عند ابن القاسم، فيقول لي اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأي"(12).
ولأجل ذلك لم يكن عندهم ترتيبات في قبول الأقوال ، ولا من منهجهم النظر في التشهيرات وما إلى ذلك ...
على أن بعضا منهم كان لا يفتي إلا برأي مالك ، ولم يكن من أصحاب الحديث كعبد الله بن نافع الصائغ ، يقول الإمام أحمد :"لم يكن صاحب حديث كان صاحب رأي مالك وكان يفتي أهل المدينة برأي مالك ولم يكن في الحديث بذاك"(13)...
إلا أن الذي ينبغي أن ينبه إليه : هو أن المدنيين لمن يكونوا رافضين لمبدأ الأخذ بالعمل مطلقا = ذلك أن ما كان يجري مجرى النقل عن رسول اللهrفإنه بمنزلة الخبر= وهو مقبول اتفاقا إلا ما كان من أبي حنيفة(14) ، وقد روي عن ابن وهب أنه قال :"رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث"(15) ، ومعلوم أن ابن وهب على منهج المدنيين = فلا تأويل لكلامه إلا بحمله على ما كان طريقه النقل.
ولقد ألف علماء مدرسة المدينة كتبا كثيرة لم يصل إلينا منها شئ ، إلا ان آراء كثير من المدنيين ظلت محفوظة :
o فآراء عبد الملك بن الماجشون ومطرف (الأخوان) حفظت في "الواضحة" لابن حبيب.
o وآراء ابن نافع حفظت في "مدونة سحنون"(16).
o كما أن كثيرا من آراء محمد بن دينار محفوظة في "البيان و التحصيل" لابن رشد.
على أن عطاء مدرسة المدينة لم يستمر طويلا : فقد بدأ يضمحل ابتداء من القرن الثالث مع وفاة صغار أصحاب مالك : كأحمد بن أبي بكر ومحمد بن صدقة الفدكي ...، ولا تسعف كتب الطبقات والتراجم بالكثير عن حياتهم وعطائهم وتواريخ وفياتهم (17) ، لكن المؤكد أن نهاية مدرسة المدينة كانت مع بدايات القرن الرابع : حيث ظهرت الصراعات السياسية وتسلط الباطنيين عليها(18) ، يقول ابن حزم :"والغالب على أهلها اليوم الفسق بل الكفر من غالية الروافض فنقول وانا لله وانا اليه راجعون"(19)...ويقول أبو المعالي الجويني في معرض الرد على المالكية :"ولو اطلع مطلع على ما يجري بين لابتي المدينة من المجاري لقضى العجب"(20) .
2.المدرسة المصرية :
تشكلت المدرسة المصرية في وقت مبكر ، مما جعلها ثاني مدرسة تظهر بعد مدرسة المدينة ، والفضل في ظهور هذه المدرسة راجع ـ بعد الله تعالى ـ إلى أوائل من قدم مصر من تلامذة مالك كعثمان بن الحكم الجذامي ، وعبد الرحيم بن خالد الجمحي ، يقول الإمام الدارقطني :" عبد الرحيم وعثمان بن عبد الحكم أول من قدم مصر بمسائل مالك"(21).
فحمل عنهما وعن غيرهما علم مالك طائفة من أهل العلم الذين سيكونون المؤسسين الفعليين للمدرسة ، وعلى رأسهم عبد الله بن عبد الحكم الذي انتهت إليه رياسة المالكية بعد أشهب و عبد الرحمن بن القاسم الذي كان يتذاكر مع عبد الرحيم الجمحي(22) وغيره من تلامذة مالك حتى استوعب كل فتاوى مالك ، وهذا ما يخبرنا به عن نفسه فيقول :"ما خرجت إلى مالك إلا وأنا عالم بقوله"(23).
وقد طالت ملازمة بعضهم لمالك حتى بلغت عشرين سنة كحال ابن القاسم وابن وهب(24) ، مما أكسبهم معرفة جيدة بمذاهب الإمام واختياراته ، وما استقر عليه رأيه وما رجع عنه...، ولذلك قال مالك رحمه الله لابن القاسم لما أراد العودة لبلده:"اتق الله وانشر ما سمعت"(25).
على أنه قد ظهر بمصر طائفة من المالكية لم يكونو ايروا بأسا في مخالفة الإمام ، وعلى رأسهم الإمام أشهب رحمه الله ، فقد "جلس يوماً بمكة إلى ابن القاسم فسأله رجل عن مسألة، فتكلم فيها عبد الرحمان فصعّر له أشهب وجهه، وقال ليس هو كذلك. ثم أخذ يفسرها ويحتج فيها. فقال ابن القاسم: الشيخ يقوله، عفاك الله. يعني مالكاً. فقال أشهب: لو قاله ستين مرة. فلم يرادّه بن القاسم"(26).
بل إنه ألف مدونة يعارض بها مدونة ابن القاسم خالفه في أكثر مسائلها(27) ، ومثله ابن وهب رحمه الله فقد كان يحذر من اتباع آراء ابن القاسم فكان يقول ليحيى الليثي : " اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأي"(28) = وهؤلاء كانوا محسوبين على المدرسة المدنية وإن كانوا مصريين ، وهذه أحد التأثيرات المدنية في المذهب المالكي خارج حدود المدينة الشريفة...
وقد امتاز هؤلاء عن غيرهم بسعة العلم بالأخبار النبوية والإحاطة بها ـ وهذا منسجم تماما مع منهجهم الذي ارتضوه ـ حتى إنه قد روي عن أحمد بن صالح أنه قال :" ما رأيت حجازيا ولا شاميا ولا مصريا أكثر حديثا من ابن وهب"(29)
ولقد تميزت هذه المدرسة ـ أقصد المصرية ـ على وجه العموم باتباع ما عليه العمل وتقديمه على أخبار الآحاد بل كانت رائدة هذا الاتجاه(30) ، كما تميزت بشدة اتباع مالك رحمه الله في أقواله ، وقد نقلتُ قبلا تلك الواقعة بين أشهب وابن القاسم لما اختلفا فقال ابن القاسم :"الشيخ يقوله" ...
ولهذا الحرص من المصريين على أقوال الإمام أصبحت رواياتهم موضع ثقة جماهير المالكية ، وما تقديم المغاربة لمرويات ابن القاسم وتقديم العراقيين لابن عبد الحكم إلا دليلا على ذلك(31) ...
ولقد عرقلت الأوضاع السياسية المتدهورة أيام العباسيين في فتنة خلق القرآن ، ثم فتنة العبيديين مسيرة هذه المدرسة ، وأدت إلى انحسار نشاط علماء المذهب لما لا قوه من أذى (32) ... 
ومن أهم الانتاجات العلمية للمدرسة المصرية :
o المدونة : وهي وإن كانت قيروانية الأصل ، فإن إعادة ابن القاسم النظر فيها وإجابته على تلك الأسئلة وذكره لمروياته عن مالك = أكسبها قيمة علمية كبرى.
o الموازية : لمحمد بن إبراهيم الشهير بابن المواز ، وقد تميز كتابه ببنائه فروع أصحاب المذهب على أصولهم ولذلك رجحها أبو الحسن القابسي على سائر الأمهات(33)، وهو منهج لم يُسبق إليه ابن المواز وإنما شاركه فيه ابن حبيب رحمه الله كما سنرى بعدُ ...
o المختصر الكبير والأوسط لابن عبد الحكم : واختصار لأسمعته من ابن وهب وابن القاسم وأشهب وقد كان معتمد المدرسة العراقية والأساس الذي تعتمد عليه في اجتهاداتها وفقهها(34).
3.المدرسة العراقية :
تُعتبر المدرسة العراقية امتدادا للمدرسة المدنية من جهة تتلمذ أغلب مؤسسيها الأوائل على أصحاب مالك المدنيين ، وكثير منهم كانوا معدودين ضمن أهل الحديث كالإمام عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي ، حتى إن الإمام مالك قال في حقالقعنبي :"قوموا بنا إلى خير أهل الأرض نسلم عليه"(35).
كما أن بعض المدنيين انتقلوا إلى بغداد كسليمان بن بلال ، قال عنه ابن عبد البر :"هو أحد ثقات أهل المدينة"(36) ، وقد انتقل إلى بغداد لما ولي القضاء للرشيد(37).
ثم حمل علم مالك عن هؤلاء النفر الكرام الأثبات تلاميذهم ومن أشهرهم أحمد بن المعذَّل(38) وغيره...
إلا أن الانطلاقة العلمية الكبيرى لهذه المدرسة بدأ مع تلامذة ابن المعذل من أمثال إسماعيل القاضي وأخيه حماد وغيرهما من أسرة آل حماد ـ لتوليهم القضاء ـ ثم بتلامذتهم من أمثال أبي بكر الأبهري رحمه الله ثم بالابقلاني والقاضي عبد الوهاب بن نصر وابن الجلاب وابن القصار وغيرهم(39) .
ولقد ظهرت مؤثرات المدرسة المدنية في الأصحاب الأوائل ، لكن البيئة المحيطة أثرت في من تلاهم من الأصحاب ، فدخلت تعديلات جديدة على المنهج الفقهي المالكي بالعراق جعلتهم يتعاطون علم الأصول وينشؤون قواعده على غرار الشافعية لتدعيم فروعهم ، يقول الإمام ابن القصار في مقدمته الأصولية :"سألتموني أرشدكم الله أن أجمع لكم ما وقع إلي من الأدلة في مسائل الخلاف بين مالك بن أنس رحمه الله وبين من خالفه من فقهاء الأمصار ...وأنا أذكر لكم جملة من ذلك بمشيئة الله وعونه لتعلموا أن مالكا رحمه الله كان موفقا في مذهبه...وقد رأيتُ ان أقدم لكم بين يدي المسائل جملة من الأصول ...ليجتمع لكم الأمران معا : علم اصوله ومسائل الخلاف من فروعه"(40) ، كما اضطروا إلى تناول المسائل الفقهية بالتفريع والتحليل مع الاطلاع على المذاهب الأخرى لتثبيت مذهبهم والرد على غيرهم من المذاهب :
o فألف ابن القصار كتابه "عيون الأدلة" وقدم له بمقدمة أصولية . 
o وألف إسماعيل بن إسحاق "الرد على محمد بن الحسن"...
o وألف أبو بكر الأبهري : "مسلك الجلالة في مسند الرسالة" أسند فيه مسائل رسالة ابن أبي زيد إلى رسول اللهr...(41)
o وألف القاضي عبد الوهاب "الإشراف على نكت الخلاف" كما ألف "المعونة على مذهب عالم المدينة"...
o وألف إسماعيل بن إسحاق – أيضا- المبسوط : وهو أحد الدواوين في المذهب.
وكما كانت لمدرسة المدينة تأثيرات بالغة على مدرسة العراق ، فإنها بدأت تتأثر بمدرسة مصر (مدرسة العمل) مع استقرار الحارث بن مسكين المصري ببغداد ، ثم مع يعقوب بن شيبة ـ تلميذ ابن المعذل ـ الذي اتصل بأصبغ بن الفرج المصري ، وبلغ أوج هذا التأثر مع الإمام أبو بكر الأبهري والقاضي عبد الوهاب الذي اتسمت آراؤه "بتبنيها لمبادئ وقواعد الترجيح القيروانية المصرية "(42) .
وقد انحسر نشاط هذه المدرسة مع وفاة تلامذته دون أن يخلفوا طلبة نجباء يتولون مهمة نشر المذهب والمنافحة عنه ، كما ساهم في هذا الانحسار: ترك عدد منهم للمذهب المالكي أثرا بالغا في خفوت شعلة المذهب : ولعل رجوع القاضي أبي نصر يوسف بن القاضي عمر إلى المذهب الظاهري = مع ما في منصبه من الحساسية دليل على ذلك(43)...
4.المدرسة المغربية :
لقد كان مذهب الحنفية هو السائد في الغرب الاسلامي ، وكذلك المذهب الأوزاعي في الأندلس إلى أن دخل عدد من أصحاب مالك كالبهلول بن راشد وعبد الرحمن بن أشرس وعلي بن زياد إلى تونس فنشروا علم الإمام وعرفوا الناس بفضله وعلمه = فبدأ أوان المذهب المالكي في الجناح الغربي للعالم الإسلامي ...
ولقد كانت القسم القيرواني في البداية يحاول دمج المنهج العراقي مع المنهج الأثري(44) = للبيئة التي كانت في القيروان آنذاك من استحواذ المنهج الحنفي التفريعي ...وكان أشهر رواد هذا الاتجاه : علي بن زياد وتلميذه أسد بن الفرات...، لكن هذا المنهج لم يستمر طويلا فمع ظهور سحنون على الساحة العلمية أصبحت السمة الغالبة على القيروان : شدة الحرص على اتباع ما كان عليه مالك ، وعلى عمل أهل المدينة ، ولهذا الحرص تميز منهجها الفقهي بتصحيح الروايات وضبط وجوه الاحتمالات مع إغفال تحليلات أهل العراق (45) ، ولذلك نجد سحنونا نهض لتمحيص ما اعوج من المنهج الفقهي الأثري في المدونة الذي أراده أسد بن الفرات (46) ، ثم انتشر هذا المنهج وبلغ أوجه مع ابن اللباد وتلميذه ابن أبي زيد القيرواني وغيره...
ويكفي هذه المدرسة شرفا في المذهب أن كانت :
o المدونة بصيغتها النهائية : قيروانية.
o وكذلك المجموعة لمحمد بن إبراهيم بن عبدوس = فقيه القيروان(47) ، وهي إحدى الدواوين في الرئيسية في المذهب.
o والرسالة لابن أبي زيد القيرواني والنوادر والزيادات له.
o والتبصرة للخمي.
ثم بدأ شعاع هذه المدرسة ينتقل إلى بلدان الغرب الاسلامي : فوصل إلى فاس عن طريق دارس بن إسماعيل الذي كان أول من أدخل مدونة سحنون إليها(48) ...
وكذلك في الأندلس ـ فبغض النظر عن الخلاف الواقع في أول من أدخل المذهب إليها ـ فإن يحيى الليثي أو زياد بن عبد الرحمن (ابن شبطون)رحمهماالله هو أول من أدخل موطأ مالك كاملا مثقفا بالسماع إلى الأندلس(49) ، يقول القاضي عياض :" وكان زياد أول من أدخل إلى الأندلس موطأ مالك، مثقفاً بالسماع منه، ثم تلاه يحيى بن يحيى"(50) ، ثم استوى عود المذهب على يد عدد من أهل العلم الذين رحلوا إلى الشرق فسمعوا من تلامذة الإمام المدنيين والمصريين ، ثم عادوا إلى بلادهم بتلك الأسمعة ، فعكف الأندلسيون على التصحيح والترجيح ..، فكانت عندنا :
o الواضحة لعبد الملك بن حبيب السلمي = وهي إحدى الأمهات .
o المستخرجة من الأسمعة (العتبية) لمحمد بن أحمد العتبي= وتميزت بضم سماعات إحدى عشر فقيها بعضهم من التلاميذ المباشرين لمالك.
o البيان والتحصيل والتوجيه والتعليل لابن رشد الجد.
o المنتقى لأبي الوليد الباجي.
o التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر.
o المسالك شرح موطأ مالك لابن العربي المعافري...وغيرها من المصنفات الحافلة.
وتعتبر الأندلس من المدارس التي لم تعرف انحسارا إلا في أوقات متأخرة = بعد ان استقر المذهب واشتد عوده بعد دراسات امتدت لمئات السنين ، بل إنها عرفت أوج ازدهارها لما دب الانحسار في مفاصل المدرسة المصرية والمدنية والعراقية(51)...
وقد عرفت هذه المدرسة ثلاثة اتجاهات :
v اتجاه فقهي متأثر بمنهج المدنيين : ويمثله ابن حبيب رحمه الله.
v اتجاه آخر متأثر بمنهج العراقيين : ويمثله عدد من الفقهاء ، ولعل أبا الوليد الباجي من أشهرهم.
v اتجاه ثالث منسجم مع منهج المدرسة المصرية القاسمية : وهم جمهور مالكية الأندلس، يقول المقري : "وأهل قرطبة أشد الناس محافظة على العمل بأصح الأقوال المالكية حتى أنهم كانوا لا يولون حاكما إلا بشرط أن لا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم"(52).
v اتجاه رابع كان ينحى منحى الجمع بين رأي المدنيين والمصريين : وكان يحيى بن يحيى الليثي من أكبر ممثليه ، وبعض الباحثين يعده من أنصار مدرسة المدنيين(53) . إلا ان قول يحيى رحمه الله :" رحمهما الله فكلاهما قد أصاب في مقالته. نهاني ابن القاسم عن إتباع ما ليس عليه العمل من الحديث، وأصاب. ونهاني ابن وهب عن كلفة الرأي، وكثرته، وأمرني بالإتباع وأصاب."(54) ، فيه ما يشير إلى الجمع بين المقالتين...والله أعلم.
لكن هذا الازدهار لم يعمر طويلا : فمع تكالب أمراء قشتالة وليون على ممالك الأندلس ثم سقوطها كلها في يد الصليبيين ، جعلها : أثرا بعدَ عين ...والأمر لله.
على أنه لم يكن هناك فرق مؤثر بين فروع المدرسة المغربية الثلاث ، وأكبر شاهد على ذلك أن اطلاق مصطلح "المغاربة" كان يشمل : ابن أبي زيد وابن القابسي وابن اللباد والباجي واللخمي وابن محرز وابن عبد البر وابن رشد وابن العربي والقاضي سند"(55) وجل هؤلاء قرويون ومغاربة وأندلسيون .
فقهائها:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
الامام مالك بن أنس © 2010 |مواقع للامام: المذهب المالكى أنظر أيضارواق المذهب المالكى | مجموعة على فيسبوك سؤال وجواب على مذهب الامام مالك